أحمد بن محمد المقري التلمساني
51
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
عليه على الزيادة في أهل الإسلام والنّماء ، ودفعا في صدر الباطل بواضح الحقّ الصادع غيهب الظلماء « 1 » ، وحضّ على ذات الدين الحصان « 2 » ، وأغرى بالاعتصام والإحصان ، ونصب أعلام النكاح مشيدة المباني ، وجاء بها سنّة عذبة المجاني ، وقال : « من تزوّج فقد كمل نصف دينه فليتّق اللّه في النصف الثاني » ، وأمر بالنكاح الذي توافقت فيه الطبيعة والشريعة ، ولبّته النفوس وهي سريعة ، وأخصبت به ربوة التناسل فهي مروضة مريعة « 3 » ، وسدّت به عن اتّباع الهوى وارتكاب المحارم الذريعة ، وحفظت به الأنسال والأنساب ، وفاض به نهر الالتئام السلسال المنساب ، إذ لا سبيل لأن يستغني بذاته ، من كان أسير هواه ومأمور لذّاته ، وإنما الانفراد والاستغناء ، لمن له الكمال والغنى ، ولا يجوز أن يتعاقب عليه الإنى « 4 » ، لا إله إلا هو له السناء والسنا . وإنّ فلانا لما ارتقت همّته إلى اتّباع الصالحات وسمت ، ووسمته النجابة من أعلامها اللائحة بما وسمت ، رأى أنّ الاعتصام بالنكاح أولى ما حمى به دينه ووقاه ، وأهمّ ما رفع إليه اعتناءه ورقاه ، فخطب إلى فلان ابنته فلانة خطبة تظافر فيها اليمن والقبول ، ونفحت « 5 » بها شمال من الجدّ المصمّم وقبول ، وارتقى بها إلى اللوح المحفوظ والديوان المكنون عمل مقبول ، فتلقّى فلان خطبته بالإجابة ، لما توسّم فيه من مخايل النجابة ، حرصا منه على المساعدة والعون ، واغتباطا بمباشرة أهل الرشد والصّون ، وانعقد النكاح بينهما على بركة اللّه التي يتضاعف بها العدد القليل ويتزيّد ، ويمنه الذي ينتهض به من اعتمده ويتأيّد ، وحسن توفيقه الذي يرتبط به من أخلص ضميره ويتقيّد ، على أن أصدقها كذا « 6 » ، تزوّجها بكلمة اللّه التي علت الكلمات وبهرتها « 7 » ، وعلى سنّة نبيّه التي أحيت الحنيفية وأظهرتها ، وأنقت الملّة من أرجاس الجاهلية وطهّرتها ، وهداية مهديه التي غلبت الأباطيل وقهرتها ، ولتكون عنده بأمانة اللّه التي هي جنّة « 8 » واعتصام ، وعهدته للزوجات على أزواجهنّ التي ليس لعروتها انفصام « 9 » ، وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ، وتسلسل في ميدان التناصف وأرسان ، وله عليها من
--> ( 1 ) الغيهب : الظلمة الشديدة . ( 2 ) الحصان - بفتح الحاء - العفيفة . ( 3 ) المروضة ، هنا : المعشبة المنبتة . ومريعة : زاكية النبت . ( 4 ) الإنى : الوقت ، وجمعه الآناء . ( 5 ) نفحت : عبقت . ( 6 ) أصدقها كذا : جعل صداقها كذا . ( 7 ) بهرتها : أصابتها بالبهر ، وهي الإعياء . ( 8 ) جنة - بضم الجيم - الواقي ، الدرع . ( 9 ) انفصام : انقطاع .